حسام الجبرين
09-May-2010, 03:01 PM
...
معاشر الكرام : كنا قد تطرقنا الجمعة الماضية ، إلى أول قصة نبي الله يوسف ، وما حدث له من إخوته من إلقائه في البئر ، ثم بيعِهم له على قافلة ، ثم بيع القافلة يوسف على عزيز مصر، ومرّ بنا بعض ما ذكر أهل العلم من الفوائد .
ونستكمل اليوم جزءا من القصة ، وهي من أشد ما جرى ليوسف عليه السلام ، إذ أنه تعرض لفتنة عظيمة وهو في بيت وزير الملك، وكان ذلك بسبب جماله الباهر وذلك أن امرأة العزيز رأت جمال يوسف . فخفق قلبها واضطرمت مشاعرها، إلى أن أظهرت شعورَها نحو يوسف وحبها له ، فانتهزت فرصة خلوتها به في بيتها يومًا،فغلّقت الأبواب وأخذت تغريه بنفسها فعرضت عليه محاسنها ومفاتنها وقالت له: أقبل عليّ فقد هيأت لك نفسي.و والله، إنها لفتنة لا يقوى على تحملها وتجاوزها إلا من وفقه الله عز وجل، فهو غريب ، والغريب لا يحتشم غالبا حشمَه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أيضا أسير تحت يدها، وفيها من الجمال ما يدعوه إلى وقاعها ، وهو شاب أعزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم.
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله. فيوسف عليه السلام نفر منها نفرة المستنكر لهذا الأمر فصبر عن معصية الله، مع وجود الدواعي القوية ،والذي حصل منه مجرد همّ فيها تركه لله ، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، وإنما الهم الذي يلام عليه العبد، الهم الذي يساكنه، ويصير عزما و ربما اقترن به الفعل، وقد رأى يوسف من برهان ربه ،ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة ،وذلك بما معه من العلم والإيمان ، لقد كان يوسف ممن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى .
ولا صحة لما في بعض الكتب من روايات بني اسرائيل ، من أشياء لا دليل عليها ، وأيضا لا تليق بالأتقياء فضلا عن الأنبياء ، لقد قال يوسف لمّا دعته إلى الحرام ( مَعَاذَ اللَّهِ ) لأن هذا مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيده الذي أكرم مثواه.
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} وفي قراءة أخرى { إنه من عبادنا المخلِْصِين} وكلا المعنيين مراد ، فهو من المخلصين لأنه من الأنبياء ، ومن المخلِصِين الذي يريد العفاف وترك الحرام ،والإخلاص سبب للخلاص .
لقد أسرع يوسف عليه السلام إلى الباب يريد الإفلات منها، وأسرعت ورائه لتحول دون خروجه، وجذبت قميصه من الخلف لتمنعه من الخروج، فتمزق، لكنه تمكن من الخروج، وفي هذه الحال وجدا عند الباب زوجَهَا، فبادرته باتهام يوسف بمحاولة اغتصابها، وحرضته على سجنه، لكن يوسف عليه السلام دفع التهمة عن نفسه بأنها هي التي حاولت أن تخون زوجَهَا، وأنه امتنع عن الاستجابة لها، وبينما هما يتبادلان الاتهام حضر الجدال قريب لها، فحكم بينهما : إن كان قميصه شقّ من الأمام فقد صدقت، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه ، وإن كان قميصه شُقّ من الخلف فقد كذبت في قولها وهو من الصادقين ،لأن هذا يعني أنه كان يحاول الفرار ، فأمسكت به من ورائه لترده إليها .فلما رأى الزوج أن قميص يوسف شُق من الخلف علِم صدق يوسف عليه السلام، وتبين له كيد زوجته، لكنه رغب في ستر الفضيحة، فقال ليوسف: تناسَ ما جرى لك واكتمه، وقال لامرأته: استغفري الله لذنبك وتوبي إنك كنت من الآثمين ، {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ } .
وسبحان الله ، جرت السنن الإلهية أنّ الجريمة مهما حاول الإنسان ضبطها ، فإنه لا بد أن تفوته أشياء تكون سببًا في كشفها إما عاجلاً أو آجلاً، ويستفاد أيضا: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من المعصية، فيوسف عليه السلام لما راودته المرأة فر هاربا، يطلب الباب ليتخلص من شرها ، كما أنّ من أسباب المراودة هنا ، الاختلاط والخلوة ، وبعض الناس اليوم يتساهل بالخلوة بالخادمة ، أو خلوة السائق مع المرأة وقد قال عليه الصلاة والسلام :" لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم " أخرجه الشيخان ، وفي مسند أحمد ، "ولايخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان" صححه الألباني
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة ، واستغفروا الله إنه كان غفارا
الحمد لله على إحسانه ،والشكر له على أفضاله وإنعامه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أما بعد:
انتشر خبر الحادثة التي وقعت في بيت الملك إلى جماعة من نساء المدينة، وتناقلنه في مجتمعاتهن، أن امرأة العزيز أغرت خادمها وراودته عن نفسه ليطيعها فيما تريده منه، وقد خالط حبه شغاف قلبها، وصل هذا إلى سمْع امرأة العزيز، فقررت أن تريهن يوسف عليه السلام ليلتمسْن لها العذر، فاستضافتهن يومًا، وبعد أن استقرّ المقام بالمدعوات أمرت بالطعام، وأعطت كل واحدة سكينًا لتقطع بها وفي هذه الأثناء أمرت يوسف أن يخرج إليهن فانبهرهن بجماله الرائع، فجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول، ولما رأت امرأة العزيز أن النساء شاركنها في الإعجاب به ، حينئذٍ باحت لهن بمكنون فؤادها قائلة: هذا هو الفتى الذي تلومونني في حبه، هذا الذي حاولت إغراءه فامتنع، وأُقسم إن لم يفعل ما آمره ليعاقبن بالسجن ليكون من الأذلاء، لكن يوسف عليه السلام لم يلن، ولجأ إلى ربه مناجيًا، بأنه يفضل السجن على معصيته، ثم دعا ربه أن يصرف عنه شر مكرهن، فاستجاب الله دعائه، فصرف عنه المعصية، إنه سبحانه السميع لدعوات الملتجئين، قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكًَا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ }
و من اللطائف أنه جاء لفظ : (ليسجننّ) بنون التوكيد ، لأن هذا مما تستطيعه إمرأة العزيز ، وأما في لفظ : وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ، فجاءت بلا توكيد ، لأنه مما لا تملكه{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيد النسوة، لأنهن جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته .فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة فيها وعيد شديد،ويستفاد أنه ينبغي للعبد أن يدعو ربه ويحتمي بحماه وخصوصا عند وجود أسباب المعصية ، وأن يتبرأ العبد من حوله وقوته ، والدعاء من أعظم ما يعين على العفة عن الحرام ، خصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن ، وأما أسياد يوسف فإنه لما اشتهر الخبر سجنوه إيهاما أنه هو الذي راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك عقوبة له ، ولهذا لما طلبه الملك بعد سنين ، امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة ، فلما تقرر ذلك خرج وهو نَقِيّ العرض، صلوات الله عليه وسلامه. ،
وللحديث بقية إن شاء الله عن يوسف في السجن وبعد السجن ، ثم صلوا وسلموا على خير البرية ...
معاشر الكرام : كنا قد تطرقنا الجمعة الماضية ، إلى أول قصة نبي الله يوسف ، وما حدث له من إخوته من إلقائه في البئر ، ثم بيعِهم له على قافلة ، ثم بيع القافلة يوسف على عزيز مصر، ومرّ بنا بعض ما ذكر أهل العلم من الفوائد .
ونستكمل اليوم جزءا من القصة ، وهي من أشد ما جرى ليوسف عليه السلام ، إذ أنه تعرض لفتنة عظيمة وهو في بيت وزير الملك، وكان ذلك بسبب جماله الباهر وذلك أن امرأة العزيز رأت جمال يوسف . فخفق قلبها واضطرمت مشاعرها، إلى أن أظهرت شعورَها نحو يوسف وحبها له ، فانتهزت فرصة خلوتها به في بيتها يومًا،فغلّقت الأبواب وأخذت تغريه بنفسها فعرضت عليه محاسنها ومفاتنها وقالت له: أقبل عليّ فقد هيأت لك نفسي.و والله، إنها لفتنة لا يقوى على تحملها وتجاوزها إلا من وفقه الله عز وجل، فهو غريب ، والغريب لا يحتشم غالبا حشمَه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أيضا أسير تحت يدها، وفيها من الجمال ما يدعوه إلى وقاعها ، وهو شاب أعزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم.
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله. فيوسف عليه السلام نفر منها نفرة المستنكر لهذا الأمر فصبر عن معصية الله، مع وجود الدواعي القوية ،والذي حصل منه مجرد همّ فيها تركه لله ، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، وإنما الهم الذي يلام عليه العبد، الهم الذي يساكنه، ويصير عزما و ربما اقترن به الفعل، وقد رأى يوسف من برهان ربه ،ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة ،وذلك بما معه من العلم والإيمان ، لقد كان يوسف ممن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى .
ولا صحة لما في بعض الكتب من روايات بني اسرائيل ، من أشياء لا دليل عليها ، وأيضا لا تليق بالأتقياء فضلا عن الأنبياء ، لقد قال يوسف لمّا دعته إلى الحرام ( مَعَاذَ اللَّهِ ) لأن هذا مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيده الذي أكرم مثواه.
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} وفي قراءة أخرى { إنه من عبادنا المخلِْصِين} وكلا المعنيين مراد ، فهو من المخلصين لأنه من الأنبياء ، ومن المخلِصِين الذي يريد العفاف وترك الحرام ،والإخلاص سبب للخلاص .
لقد أسرع يوسف عليه السلام إلى الباب يريد الإفلات منها، وأسرعت ورائه لتحول دون خروجه، وجذبت قميصه من الخلف لتمنعه من الخروج، فتمزق، لكنه تمكن من الخروج، وفي هذه الحال وجدا عند الباب زوجَهَا، فبادرته باتهام يوسف بمحاولة اغتصابها، وحرضته على سجنه، لكن يوسف عليه السلام دفع التهمة عن نفسه بأنها هي التي حاولت أن تخون زوجَهَا، وأنه امتنع عن الاستجابة لها، وبينما هما يتبادلان الاتهام حضر الجدال قريب لها، فحكم بينهما : إن كان قميصه شقّ من الأمام فقد صدقت، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه ، وإن كان قميصه شُقّ من الخلف فقد كذبت في قولها وهو من الصادقين ،لأن هذا يعني أنه كان يحاول الفرار ، فأمسكت به من ورائه لترده إليها .فلما رأى الزوج أن قميص يوسف شُق من الخلف علِم صدق يوسف عليه السلام، وتبين له كيد زوجته، لكنه رغب في ستر الفضيحة، فقال ليوسف: تناسَ ما جرى لك واكتمه، وقال لامرأته: استغفري الله لذنبك وتوبي إنك كنت من الآثمين ، {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ } .
وسبحان الله ، جرت السنن الإلهية أنّ الجريمة مهما حاول الإنسان ضبطها ، فإنه لا بد أن تفوته أشياء تكون سببًا في كشفها إما عاجلاً أو آجلاً، ويستفاد أيضا: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من المعصية، فيوسف عليه السلام لما راودته المرأة فر هاربا، يطلب الباب ليتخلص من شرها ، كما أنّ من أسباب المراودة هنا ، الاختلاط والخلوة ، وبعض الناس اليوم يتساهل بالخلوة بالخادمة ، أو خلوة السائق مع المرأة وقد قال عليه الصلاة والسلام :" لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم " أخرجه الشيخان ، وفي مسند أحمد ، "ولايخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان" صححه الألباني
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة ، واستغفروا الله إنه كان غفارا
الحمد لله على إحسانه ،والشكر له على أفضاله وإنعامه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أما بعد:
انتشر خبر الحادثة التي وقعت في بيت الملك إلى جماعة من نساء المدينة، وتناقلنه في مجتمعاتهن، أن امرأة العزيز أغرت خادمها وراودته عن نفسه ليطيعها فيما تريده منه، وقد خالط حبه شغاف قلبها، وصل هذا إلى سمْع امرأة العزيز، فقررت أن تريهن يوسف عليه السلام ليلتمسْن لها العذر، فاستضافتهن يومًا، وبعد أن استقرّ المقام بالمدعوات أمرت بالطعام، وأعطت كل واحدة سكينًا لتقطع بها وفي هذه الأثناء أمرت يوسف أن يخرج إليهن فانبهرهن بجماله الرائع، فجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول، ولما رأت امرأة العزيز أن النساء شاركنها في الإعجاب به ، حينئذٍ باحت لهن بمكنون فؤادها قائلة: هذا هو الفتى الذي تلومونني في حبه، هذا الذي حاولت إغراءه فامتنع، وأُقسم إن لم يفعل ما آمره ليعاقبن بالسجن ليكون من الأذلاء، لكن يوسف عليه السلام لم يلن، ولجأ إلى ربه مناجيًا، بأنه يفضل السجن على معصيته، ثم دعا ربه أن يصرف عنه شر مكرهن، فاستجاب الله دعائه، فصرف عنه المعصية، إنه سبحانه السميع لدعوات الملتجئين، قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكًَا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ }
و من اللطائف أنه جاء لفظ : (ليسجننّ) بنون التوكيد ، لأن هذا مما تستطيعه إمرأة العزيز ، وأما في لفظ : وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ، فجاءت بلا توكيد ، لأنه مما لا تملكه{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيد النسوة، لأنهن جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته .فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة فيها وعيد شديد،ويستفاد أنه ينبغي للعبد أن يدعو ربه ويحتمي بحماه وخصوصا عند وجود أسباب المعصية ، وأن يتبرأ العبد من حوله وقوته ، والدعاء من أعظم ما يعين على العفة عن الحرام ، خصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن ، وأما أسياد يوسف فإنه لما اشتهر الخبر سجنوه إيهاما أنه هو الذي راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك عقوبة له ، ولهذا لما طلبه الملك بعد سنين ، امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة ، فلما تقرر ذلك خرج وهو نَقِيّ العرض، صلوات الله عليه وسلامه. ،
وللحديث بقية إن شاء الله عن يوسف في السجن وبعد السجن ، ثم صلوا وسلموا على خير البرية ...