المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة يوسف عليه السلام الجزء الثالث والرابع


حسام الجبرين
21-May-2010, 07:25 PM
...
معاشر الكرام : كنا في الجمعتين الماضيتين ، قد تطرقنا إلى شيء من قصة نبي الله يوسف ، وبعض ما ذكره العلماء من الفوائد واستنبطوه ، واليوم نقف مع حال يوسف عليه السلام في السجن ، ومن المعلوم أن يوسف عليه السلام كان سَجْنه ظلما ، ولكن كان خروجه من بيت امرأة العزيز، فيه ابتعاد عن المكر والفتنة ، وكان فاتحة خير له ، ورُبَّ مِحْنَة حملت في طياتها مِنْحَةٌ {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وصادف أن دخل معه السجن فتيان، من خدم الملك ، قيل بتهمة المؤامرة على الملك، فرأى كل واحد منهما رؤيا قصها على يوسف عليه السلام، فأخبرهما بما علَّمه الله عز وجل { وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }فوصفوه بالإحسان لأنه على خلق عال كريم ، وسيأتي بيان شيء من ذلك {قالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } قال مجاهد: يقول: ( لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ) [في نومكما] ( إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا .

ثم أخبر يوسف أنه ابتعد عن ملة الكفر {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} فذكر يوسف أن هذه الحال التي هو عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليّه بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، وبهذا وصل إلى ما قد رأياه ، ومن هنا فينبغي لهما أن يسلُكا ما سلك ، لقد اغتنم يوسف فرصة بقائه في السجن ،بالدعوة إلى الله عز وجل {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.

كم في هذا الموقف من درس جليل ألا و هو أن يحاول المسلم نشر الخير، وأن يُبلِّغ دين الله عز وجل، و ربما كلمة حق تقولها ، ينفع الله بها مسلما طيلة عمره وربما لا يكون تأثيرها إلا بعد سنوات ، وبعدما دعاهما يوسف إلى التوحيد عبّر لهما رؤياهما ، وكان تعبير إحدى الرؤى ، بشارة لصاحبها بخروجه من السجن ، ثم قُرْبه من الملك ، وأنه سيكون ساقي الخمر له ، وأما تفسير الأخرى فقد كان محزنا ، إذ أن تعبيرها أنه سيقتل ثم يصلب ، وكم هو عجيب خلقُ هذا النبي ولطفُ مشاعره ، إذ أنه لم يخبر من هو الذي سيُقتل ، بل إنه أبهم ، فقال {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } ، ولعل من ثمرة ذكر هذا التعبير ، أعني القتل ، أن يكون هذا حاثّا لهما على الإيمان ، ويوسف قد أحسن إليهما في ذلك ، وإن كان ذلك ثقيلا على النفس ، ولكن الدواء مرٌّ والكيَّ حارّ ، ويستفاد البداءة بالأهم فالمهم، وأنه إذا سئل المفتي أو غيره ، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد ، فإنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤالَه، و هذا علامةٌ على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، ثم قال يوسف عليه السلام للساقي خفية عن الآخرـ والله أعلم ـ لئلا يشعر الآخر أنه المصلوب ( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي اذكر قصتي عند ربك وهو الملك -فنسي ذلك الموصَى أن يُذَكِّر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله من السجن، وتم الله أمره وقضاءه ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فلبث في السجن بضع سنين) والبضع من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدَّر لذلك سببا به ارتفع شأنه وعلا قدره، ألا وهو رؤيا الملك ، حيث أنه رأى في منامه سبع بقرات سمينات تأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى أيضاً سبع سنابل خضراء، وسبع سنابل يابسة، وطلب من قومه أن يعبروها ،فقالوا أنها أضغاث أحلام ، فهم قد جمعوا بين الجهل والجزم ولم يقولوا لا نعلم تأويلها ، و تعبير الرؤيا داخل في الفتوى ، ولا يجوز الخوض فيها بلا علم {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ} وحينئذ تذكر الساقي يوسف عليه السلام .
ونكمل بعد قليل إن شاء الله ، بارك الله لي ولكم ...

الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه ، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه أما بعد إخوة الإيمان :

فعند رؤيا الملك تذكر الساقي الذي سبق أن سُجِن يوسفَ عليه السلام {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } وما أسمى خلقه عليه السلام شرع يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا،ولم يقل لِمَ لمْ تذكرني وتنفذ وصيتي ، وكان تعبير الرؤيا {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا ( أي متوالية) فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} لم يكتفِ عليه السلام بذكر الفواجع التي سوف تنزل، بل وصف الحلول المناسبة، للخروج من هذه الأزمة الخانقة، التي ستعمهم ببلائها، فسّر الملك بتفسير يوسف للرؤيا، وأراد إخراجه من السجن الذي قد مكث فيه سنين ، فامتنع يوسف ، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وتمام عقله {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }حصحص الحق أي تبين الحق وظهر. ذلك ( لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أنه لم يحصل منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه ويحتمل أن المراد بذلك يوسف حيث أنها اعترفتْ حال غيبة يوسف عنها ، فعندها قابله الملك ، وسمع منه ، آنس منه ذكاءً وفهماً ، فازداد ثقة به ، ثمّ كلفه بوزارة المال ، وجعله يتصرف في أرض مصر كما يريد{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ وَلاَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }فخرج يوسف من السجن وعلا شأنه ، (والعاقبة للمتقين ) وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل سُجن وجلد ، وانظر مآله فيما بعد ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، مات في السجن ، لكن علمه ملء الدنيا ، (والعاقبة للمتقين ) ويستفاد : أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل،كما قال يوسف{إني حفيظ عليم}وهذا إذا كان في ذلك مصلحة ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب ، وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي يقوم فيها بحقوقها .
ويبقى مجئ إخوة يوسف وما بعده ، إن شاء الله تعالى وبعد إخوة الإسلام صلوا وسلموا ...

حسام الجبرين
21-May-2010, 07:33 PM
الحمد لله الرحيم التواب ، الفتاح الوهاب ، وأشهد ألا إله إلا الله العلي القهار ، الملك الجبار ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فقد أكثر جل شأنه ، من أمرِنا بها وحثنا عليها و تعداد منافعها .

معاشر الكرام : بعد ما مررنا في الجُمَع الماضية على قصة يوسف و ما جرى له في صغره ، ثم الفتنة التي حصلت له في شبابه ، ثم سجنه عدة سنين ظلما ، ثم خروجه من السجن وكيف كان ذلك .

نقف اليوم مع يوسف بعدما صار وزيرا للملك يدير شئون المال .

تحقَّق تأويل يوسف لرؤيا الملك ، وتحقُّقُ الرؤيا قد يكون أحيانا بعد سنين ، وجاءت السبع السنوات الخصبة، فرعاها يوسف بحسن تدبيره، وخزّن الفائض من الغلات، وجاءت السنون السبع الأخرى المجدِبة، فحصل جوع وقَحْط خصوصا البلاد المجاورة، لعدم استعداد أهلها لمثل هذه السنين ، وكان ممن قدِم بلاد مصر إخوة يوسف عليه السلام فدخلوا على يوسف، وهو جالس في رياسته فعرفهم حين نظر إليهم، ( وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) أي: لا يعرفونه؛ لأنهم فارقوه في صغره حين ألقوه في البئر ولا كانوا يظنون أن يصير إلى ما صار إليه فتحادث معهم ثم وَفَّاهم كيلهم، وأكرمهم وحمل لهم أحمالهم وكان هذا ترغيبا منه و قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم، لأعلم صدقكم ، وثم قال تحذيرا فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ، فوعده بالمحاولة والسعي في ذلك ثم أمر يوسف فتيانه أن يردوا البضاعة التي أتوا بها في رحالهم ، قيل خشي يوسف، عليه السلام، ألا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون بها إليه فيما بعد ، وقيل كره أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضا عن الطعام ، فلما رجعوا أخبروا والدهم وأن عزيز مصر طلب أخاهم بنيامين ، وأنه أنذرهم إلا يعطيهم شيئا إن لم يأتوا به ، لكن يعقوب لم يطمئن فقال لهم: ( هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) يقصد يوسف ، وسوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم ولكن يعقوب استجاب لهم بعد ذلك وأخذ عليهم الميثاق أن يردوه إلا أن يغلبوا كلهم ولا يستطيعوا تخليصه ( فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ) أكده عليهم فقال: ( اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)

وأوصاهم أن يتفرقوا عند الدخول من الأبواب ، قيل خشية عليهم من العين وهذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه ،و لكنه من الأخذ بالأسباب ، والأسباب من القدر ولما قدم إخوة يوسف على يوسف ومعهم أخوه الشقيق بنيامين، أدخلهم دار كرامته ومنـزل ضيافته، والضيافة من سنن المرسلين ، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه، وما جرى له، وعَرّفه أنه أخوه، وقال له: "لا تبتئس أي لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وألا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده، مُعزّزًا مكرما معظما،

{فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } فأقسم إخوة يوسف أنهم ما جاؤوا ليحدثوا فسادا ولا ليسرقوا ، فسألوا إخوة يوسف عن جزاء السارق فقالوا جزاؤه أن يتملكه صاحب المال المسروق ، فبدأ التفتيش من أمتعة الكبار ، فلما وصلوا إلى بنيامين وكان الأخير وجدوا صواع الملك ، فتحقق ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده ، على وجه لا ينكره ويشعر به إخوته ، وحاولوا متوسلين إليه ،بأن أباه شيخ كبير وحاولوا أن يأخذ أحد الإخوة مكان بنيامين ، لكنه امتنع وقال { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ولم يقل إلا من سرق تحرزا من الكذب ، وهذا من دقه لفظه ، فتشاورا بينهم ، وبقي الكبير في مصر ، حتى يأذن له والده بالرجوع راضيا عنه أو يحكم الله له .

ولما أخبروا والدهم يعقوب عليه السلام ،تضاعف حزنه واشتد كمده وصبر على بلائه ، وقال لهم { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً } بنيامين والأكبر ويوسف وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } و الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه، الشكوى إلى المخلوقين التي لا يكون فيها فائدة

{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ من أنه سبحانه سيردّهم إليه ، ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما ( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ) فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) فلا تتشبهوا بهم وهذا يفيد أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه ، فاللهم إنا نسألك حسن الظن بك وحسن العمل ، اللهم أنفعنا ...


الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه ، ملء السماء والأرض ، وصلى الله وسلم على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فبعد أن أمر يعقوب بنيه بالتحري والبحث ، ذهبوا إلى مصر ومعهم بضاعة قليلة غير مرغوب بها ، {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } فردّ عليهم يوسف { هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } فعندها أدركوا أنه يوسف و اعتذروا ،والعجب أن يوسف أعلن يوسف عفوه عنهم مباشرة مع عظم ما فعلوا به {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }

فتأمل هذه العظمة في الإحسان والصفح !.

ثم أمرهم أن يرجعوا وأعطاهم قميصه وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيه ، إذ أنه سيرجع بصره ، فرجعوا .

ولما قربوا من ديارهم في فلسطين ، بدأت أنوار الفرج تظهر ليعقوب عليه السلام إذ أن هذا الشيخ الكبير الذي لم ير ابنه يوسف قيل عشرات السنين قال { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ثم توجهوا إلى مصر ووصلت أسرة يعقوب عليه السلام مصر، فرأَوْا يوسف في استقبالهم، ولا نستطيع أن نصف مبلغ فرح يعقوب، بلقاء ابنه، بعد فراق سنين طوالا .

سار الركب داخل مصر، حتى أجلس يوسُفُ والديه بقربه على سرير الحكم، زيادة في تكريمهما ، وسجدوا له إكراما وقد كان هذا جائزا في شرع من قبلنا لكنه نسخ { فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءاوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِين وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}

عجيبة والله أخلاقُ هذا النبي الكريم وإحسانُه فمع قدرته على الانتقام، عفا عنهم مباشرة ، بل إنه هو الذي يراعي مشاعرهم فتأمل قوله {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } كأن الذنب والجهل صار من الطرفين ، مع العلم أنه لاذنب له ، وأيضا ذكر إحسان الله إليه بإخراجه من السجن {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ }ولم يذكر إحسان الله إليه بإخراجه من البئر حين ألقي بها مع أنه أعظم ،.

و ألتم شمل الإخوة وحسن حالهم ، والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات .و أثنى يوسف على الله سبحانه ، بأنه قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث ، ولم يطلب عليه الصلاة والسلام، إلا ما يتمناه كل مسلم صادق مخلص أن يموت على الإسلام ويلحق بالركب الصالح {رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ أَنتَ وَلِىّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } ا

ولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ، فاللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ...

ابن أحمد
10-Jun-2010, 05:18 PM
بارك الله فيك وبارك بك ونفع بك الامة
وجزاك الله كل الخير عنا


باختصار لا اطيل عليكم
اللهم اني اسال ان تكون من انفع الناس للناس
وان تكون عزا لاسلام ونصرة للنسة

وبارك اللهم جهودكم وجعلها في ميزان حسناتكم