حسام الجبرين
21-May-2010, 07:25 PM
...
معاشر الكرام : كنا في الجمعتين الماضيتين ، قد تطرقنا إلى شيء من قصة نبي الله يوسف ، وبعض ما ذكره العلماء من الفوائد واستنبطوه ، واليوم نقف مع حال يوسف عليه السلام في السجن ، ومن المعلوم أن يوسف عليه السلام كان سَجْنه ظلما ، ولكن كان خروجه من بيت امرأة العزيز، فيه ابتعاد عن المكر والفتنة ، وكان فاتحة خير له ، ورُبَّ مِحْنَة حملت في طياتها مِنْحَةٌ {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وصادف أن دخل معه السجن فتيان، من خدم الملك ، قيل بتهمة المؤامرة على الملك، فرأى كل واحد منهما رؤيا قصها على يوسف عليه السلام، فأخبرهما بما علَّمه الله عز وجل { وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }فوصفوه بالإحسان لأنه على خلق عال كريم ، وسيأتي بيان شيء من ذلك {قالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } قال مجاهد: يقول: ( لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ) [في نومكما] ( إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا .
ثم أخبر يوسف أنه ابتعد عن ملة الكفر {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} فذكر يوسف أن هذه الحال التي هو عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليّه بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، وبهذا وصل إلى ما قد رأياه ، ومن هنا فينبغي لهما أن يسلُكا ما سلك ، لقد اغتنم يوسف فرصة بقائه في السجن ،بالدعوة إلى الله عز وجل {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
كم في هذا الموقف من درس جليل ألا و هو أن يحاول المسلم نشر الخير، وأن يُبلِّغ دين الله عز وجل، و ربما كلمة حق تقولها ، ينفع الله بها مسلما طيلة عمره وربما لا يكون تأثيرها إلا بعد سنوات ، وبعدما دعاهما يوسف إلى التوحيد عبّر لهما رؤياهما ، وكان تعبير إحدى الرؤى ، بشارة لصاحبها بخروجه من السجن ، ثم قُرْبه من الملك ، وأنه سيكون ساقي الخمر له ، وأما تفسير الأخرى فقد كان محزنا ، إذ أن تعبيرها أنه سيقتل ثم يصلب ، وكم هو عجيب خلقُ هذا النبي ولطفُ مشاعره ، إذ أنه لم يخبر من هو الذي سيُقتل ، بل إنه أبهم ، فقال {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } ، ولعل من ثمرة ذكر هذا التعبير ، أعني القتل ، أن يكون هذا حاثّا لهما على الإيمان ، ويوسف قد أحسن إليهما في ذلك ، وإن كان ذلك ثقيلا على النفس ، ولكن الدواء مرٌّ والكيَّ حارّ ، ويستفاد البداءة بالأهم فالمهم، وأنه إذا سئل المفتي أو غيره ، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد ، فإنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤالَه، و هذا علامةٌ على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، ثم قال يوسف عليه السلام للساقي خفية عن الآخرـ والله أعلم ـ لئلا يشعر الآخر أنه المصلوب ( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي اذكر قصتي عند ربك وهو الملك -فنسي ذلك الموصَى أن يُذَكِّر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله من السجن، وتم الله أمره وقضاءه ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فلبث في السجن بضع سنين) والبضع من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدَّر لذلك سببا به ارتفع شأنه وعلا قدره، ألا وهو رؤيا الملك ، حيث أنه رأى في منامه سبع بقرات سمينات تأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى أيضاً سبع سنابل خضراء، وسبع سنابل يابسة، وطلب من قومه أن يعبروها ،فقالوا أنها أضغاث أحلام ، فهم قد جمعوا بين الجهل والجزم ولم يقولوا لا نعلم تأويلها ، و تعبير الرؤيا داخل في الفتوى ، ولا يجوز الخوض فيها بلا علم {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ} وحينئذ تذكر الساقي يوسف عليه السلام .
ونكمل بعد قليل إن شاء الله ، بارك الله لي ولكم ...
الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه ، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه أما بعد إخوة الإيمان :
فعند رؤيا الملك تذكر الساقي الذي سبق أن سُجِن يوسفَ عليه السلام {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } وما أسمى خلقه عليه السلام شرع يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا،ولم يقل لِمَ لمْ تذكرني وتنفذ وصيتي ، وكان تعبير الرؤيا {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا ( أي متوالية) فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} لم يكتفِ عليه السلام بذكر الفواجع التي سوف تنزل، بل وصف الحلول المناسبة، للخروج من هذه الأزمة الخانقة، التي ستعمهم ببلائها، فسّر الملك بتفسير يوسف للرؤيا، وأراد إخراجه من السجن الذي قد مكث فيه سنين ، فامتنع يوسف ، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وتمام عقله {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }حصحص الحق أي تبين الحق وظهر. ذلك ( لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أنه لم يحصل منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه ويحتمل أن المراد بذلك يوسف حيث أنها اعترفتْ حال غيبة يوسف عنها ، فعندها قابله الملك ، وسمع منه ، آنس منه ذكاءً وفهماً ، فازداد ثقة به ، ثمّ كلفه بوزارة المال ، وجعله يتصرف في أرض مصر كما يريد{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ وَلاَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }فخرج يوسف من السجن وعلا شأنه ، (والعاقبة للمتقين ) وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل سُجن وجلد ، وانظر مآله فيما بعد ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، مات في السجن ، لكن علمه ملء الدنيا ، (والعاقبة للمتقين ) ويستفاد : أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل،كما قال يوسف{إني حفيظ عليم}وهذا إذا كان في ذلك مصلحة ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب ، وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي يقوم فيها بحقوقها .
ويبقى مجئ إخوة يوسف وما بعده ، إن شاء الله تعالى وبعد إخوة الإسلام صلوا وسلموا ...
معاشر الكرام : كنا في الجمعتين الماضيتين ، قد تطرقنا إلى شيء من قصة نبي الله يوسف ، وبعض ما ذكره العلماء من الفوائد واستنبطوه ، واليوم نقف مع حال يوسف عليه السلام في السجن ، ومن المعلوم أن يوسف عليه السلام كان سَجْنه ظلما ، ولكن كان خروجه من بيت امرأة العزيز، فيه ابتعاد عن المكر والفتنة ، وكان فاتحة خير له ، ورُبَّ مِحْنَة حملت في طياتها مِنْحَةٌ {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وصادف أن دخل معه السجن فتيان، من خدم الملك ، قيل بتهمة المؤامرة على الملك، فرأى كل واحد منهما رؤيا قصها على يوسف عليه السلام، فأخبرهما بما علَّمه الله عز وجل { وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }فوصفوه بالإحسان لأنه على خلق عال كريم ، وسيأتي بيان شيء من ذلك {قالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } قال مجاهد: يقول: ( لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ) [في نومكما] ( إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا .
ثم أخبر يوسف أنه ابتعد عن ملة الكفر {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} فذكر يوسف أن هذه الحال التي هو عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليّه بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، وبهذا وصل إلى ما قد رأياه ، ومن هنا فينبغي لهما أن يسلُكا ما سلك ، لقد اغتنم يوسف فرصة بقائه في السجن ،بالدعوة إلى الله عز وجل {يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
كم في هذا الموقف من درس جليل ألا و هو أن يحاول المسلم نشر الخير، وأن يُبلِّغ دين الله عز وجل، و ربما كلمة حق تقولها ، ينفع الله بها مسلما طيلة عمره وربما لا يكون تأثيرها إلا بعد سنوات ، وبعدما دعاهما يوسف إلى التوحيد عبّر لهما رؤياهما ، وكان تعبير إحدى الرؤى ، بشارة لصاحبها بخروجه من السجن ، ثم قُرْبه من الملك ، وأنه سيكون ساقي الخمر له ، وأما تفسير الأخرى فقد كان محزنا ، إذ أن تعبيرها أنه سيقتل ثم يصلب ، وكم هو عجيب خلقُ هذا النبي ولطفُ مشاعره ، إذ أنه لم يخبر من هو الذي سيُقتل ، بل إنه أبهم ، فقال {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } ، ولعل من ثمرة ذكر هذا التعبير ، أعني القتل ، أن يكون هذا حاثّا لهما على الإيمان ، ويوسف قد أحسن إليهما في ذلك ، وإن كان ذلك ثقيلا على النفس ، ولكن الدواء مرٌّ والكيَّ حارّ ، ويستفاد البداءة بالأهم فالمهم، وأنه إذا سئل المفتي أو غيره ، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد ، فإنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤالَه، و هذا علامةٌ على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، ثم قال يوسف عليه السلام للساقي خفية عن الآخرـ والله أعلم ـ لئلا يشعر الآخر أنه المصلوب ( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي اذكر قصتي عند ربك وهو الملك -فنسي ذلك الموصَى أن يُذَكِّر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله من السجن، وتم الله أمره وقضاءه ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فلبث في السجن بضع سنين) والبضع من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدَّر لذلك سببا به ارتفع شأنه وعلا قدره، ألا وهو رؤيا الملك ، حيث أنه رأى في منامه سبع بقرات سمينات تأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى أيضاً سبع سنابل خضراء، وسبع سنابل يابسة، وطلب من قومه أن يعبروها ،فقالوا أنها أضغاث أحلام ، فهم قد جمعوا بين الجهل والجزم ولم يقولوا لا نعلم تأويلها ، و تعبير الرؤيا داخل في الفتوى ، ولا يجوز الخوض فيها بلا علم {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنّى أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلاْحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ} وحينئذ تذكر الساقي يوسف عليه السلام .
ونكمل بعد قليل إن شاء الله ، بارك الله لي ولكم ...
الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه ، وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه أما بعد إخوة الإيمان :
فعند رؤيا الملك تذكر الساقي الذي سبق أن سُجِن يوسفَ عليه السلام {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } وما أسمى خلقه عليه السلام شرع يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا،ولم يقل لِمَ لمْ تذكرني وتنفذ وصيتي ، وكان تعبير الرؤيا {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا ( أي متوالية) فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} لم يكتفِ عليه السلام بذكر الفواجع التي سوف تنزل، بل وصف الحلول المناسبة، للخروج من هذه الأزمة الخانقة، التي ستعمهم ببلائها، فسّر الملك بتفسير يوسف للرؤيا، وأراد إخراجه من السجن الذي قد مكث فيه سنين ، فامتنع يوسف ، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وتمام عقله {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }حصحص الحق أي تبين الحق وظهر. ذلك ( لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أنه لم يحصل منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه ويحتمل أن المراد بذلك يوسف حيث أنها اعترفتْ حال غيبة يوسف عنها ، فعندها قابله الملك ، وسمع منه ، آنس منه ذكاءً وفهماً ، فازداد ثقة به ، ثمّ كلفه بوزارة المال ، وجعله يتصرف في أرض مصر كما يريد{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ وَلاَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }فخرج يوسف من السجن وعلا شأنه ، (والعاقبة للمتقين ) وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل سُجن وجلد ، وانظر مآله فيما بعد ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، مات في السجن ، لكن علمه ملء الدنيا ، (والعاقبة للمتقين ) ويستفاد : أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل،كما قال يوسف{إني حفيظ عليم}وهذا إذا كان في ذلك مصلحة ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب ، وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي يقوم فيها بحقوقها .
ويبقى مجئ إخوة يوسف وما بعده ، إن شاء الله تعالى وبعد إخوة الإسلام صلوا وسلموا ...